رباعية العاشق ج2

سبحان من له الدوام ، والبقاء له وحده دون الخلق من إنسان وحيوان وطير ، فكل نفس من هؤلاء ذائقة الموت .. نقول هذا لأن العشاق يتلهون عن تلك الحقيقة داخل دائرة وهم من أبدية ظن وصل المعشوق ، والنهل من عسل هذا الوصال دون حساب لحفر الحياة .. كان غرابنا النوحى يداوم على ملء المائة قفة بالشمس ، وهو فى مزاج خليط من سعادة ومن هيام ، تتابعه العيون الخضراء لمحبوبته البومة الصغيرة ، فلا يسعه إلا السعى نشيطا فى مهمته .. نقول فى ديامو : السعد وعد .. والغراب بالتأكيد يسمعنا نتحدث عن أشياء ظاهرة ، وأشياء خافية ، فهل تعلم منا بعض الحكمة ؟ لا نظن ذلك فيه ، فالعشاق لا تهمهم إلا النتائج ، مع أنهم ثرثارون وياللعجب !!
إذن كان الغراب سعيدا ، وكدنا نحسده إلا أننا سمعناه يقول للبومة الصغيرة حين طلبت منه أن يعطى لنفسه فسحة من راحة : الاتفاق هو الاتفاق .. لن أتكاسل عن إتمام مهرك ..
فى هذه اللحظة حمل إليهما الناعى خبر موت البومة الكبيرة أم البومة الصغيرة معشوقة الغراب ، ويالها من نازلة لا ينفع معها عيون تنظر فى عيون ، أو تنهدات يقابلها زفرات ، إلا التهور بإتيان فعل أو أفعال غير محسوبة لعواقب أو نهايات ..
اندفع الغراب نحو عشاش البوم ، وقلنا نحن سكان ديامو : هذا هو تهور العشاق كان الله فى عونه ..
كنا نسمع البوم ، وهو يقول للغراب : احمل حماتك البومة الكبيرة ، وهو يقول : هذا شرف لى .. ولكن اسمحوا لى بسؤال .. أين مدافنكم ؟
قال البوم : فوق سطح القمر .. أتراه ؟
حملق الغراب نحو السماء ، ثم قال : نعم أراه .. إنه بدر .. الأعمى يراه ..
صرخ البوم فى العاشق الولهان : لا نريد فلسفة .. احملها ..
قبل أن يطير الغراب نحو القمر ، تلى عليه البوم ما هو آت : عليك حين تصل فوق القمر أن تبنى لها ضريحا ، وتضع له علامة يمكن لنا أن نراها من فوق جزيرة ديامو سواء كنا فى غربها أو شرقها .. تساءل الغراب : وما معنى العلامة ؟ وكيف تكون ؟! عاد البوم يصرخ : ألا تعرف معنى العلامة أيها الحبيب ؟! لا تسأل .. نفذ .. هذه المهمة هى عربون مهرك .. هيا .. نفذ ..
حمل الغراب جسد أم معشوقته ، وكان يزرف الدمع ، وهو يرى البومة الصغيرة يكللها اليتم فسكنت فى قلبه طعنة ، لأنه لم يستطع أن يحتضنها ، ويمسح على رأسها ، ويجرب معها تلك المشاعر الجديدة التى جاء بها مصاب يجرباه معا لأول مرة ..
كنا نرى الغراب يطير بحمله نحو السماء ، وكان يعود ، فالقمر لا يظل بدرا على الدوام ، فهو يدخل فى محاق ، يضع الغراب حمله ، ويسرع نحو القفف المائة ، وحينما يرى القمر بدرا يحمل جسد البومة حماته ، ويذهب نحوه ، ونشاهده وهو يعود فننظر للسماء ، ونحن فى حيرة من أمره .. وحين نراه يستعد لحمل نعشه نضحك ونحن نقول : هذا يحب العلو ولو على خازوق .. فيصرخ فينا : كما ترونى أراكم .. فلا تلومونى .
يتبع
Advertisements

Say something

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: